عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
78
طبقات شعراء المحدثين
مات النّدى إذ متّ يا ابن محمد * فجعلته لك في التراب عديلا « 1 » إني سألت الناس بعدك كلّهم * فوجدت أسمح من رأيت بخيلا « 2 » ألشقوتي أخّرت بعدك للذي * يدع السمين من العيال هزيلا « 3 » فأبكى الناس قوله ، فغضب المنصور غضبا شديدا وقال : لئن سمعتك بعدها تنشد هذه القصيدة لأقطعنّ لسانك . فقال أبو دلامة : إن أبا العبّاس كان لي مكرما ، وهو الذي جاء بي من البدو ، كما جاء « اللّه » يوسف عليه السلام بإخوته ، فقل كما قال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ « 4 » . فقال له : أقلناك « 5 » فسل حاجتك . فقال أبو دلامة : قد كان أبو العبّاس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا في مرضه ، ولم أقبضها ، فقال المنصور : ومن يعلم ذلك ؟ فقال : هؤلاء . وأشار بيده إلى جماعة ممن حضره ، فقام سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا : يا أمير المؤمنين ، صدق أبو دلامة ونحن نعلم ذلك . فقال المنصور لأبي أيوب الخازن : يا سليمان ادفعها إليه وأخرجه في الجيش الخارج إلى هذا الطاغية ، يعني عبد اللّه بن علي - وكان قد أظهر الخلاف بالشام ودعا إلى نفسه وجمع جمعا كثيرا وبقايا « 6 » أصحاب مروان : « 7 » خلقا من أهل الشام . وخاف المنصور أن يتمادى أمره - فوثب أبو دلامة وقال : يا أمير المؤمنين أعيذك باللّه أن تخرجني مع هذا العسكر فإني واللّه مشئوم ، فقال المنصور : إن يمني يغلب شؤمك فأخرج مع العسكر ، فقال أبو دلامة : يا أمير المؤمنين ، ما أحب لك أن تجرّب ذلك ، فإني « لا » أدري على أي المنزلتين تحصل ، ولا آمن أن يغلب شؤمي ، فقال له : دع عنك هذا ، فما لك بدّ من المسير في الجيش ، قال : يا أمير المؤمنين واللّه لأصدقنّك ، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت ، فأنا أعيذك باللّه أن يكون العاشر . فاستفرغ ضحكا أبو جعفر ، وأمره بالمقام مع عيسى بن موسى بالكوفة .
--> ( 1 ) النّدى : الجود والكرم - العديل : المثل والنظير . ( 2 ) الأسمح : الأكثر سماحة ، والسماحة الجود . ( 3 ) الشقوة : الشقاء وهو ضد السعد - أخّرت بعدك : أي متّ قبلي . ( 4 ) لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [ يوسف : 92 ] . ( 5 ) أقلناك : أي صفحنا عنك . ( 6 ) وبقايا : وفي رواية من بقايا . ( 7 ) مروان : يريد مروان بن الحكم أي من أنصار بني أميّة .